عمر السهروردي
341
عوارف المعارف
ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ( ( لا ينظر اللّه إلى من لا يقيم صلبه بين الركوع والسجود ) ) . ثم يهوى ساجدا ، ويكون في هوية مكبرا مستيقظا حاضرا خاشعا عالما بما يهوى فيه وإليه وله . فمن الساجدين من يكاشف أنه يهوى إلى تخوم الأرضين ، متغيبا في أجزاء الملك لامتلاء قلبه من الحياء ، واستشعار روحه عظيم الكبرياء . كما ورد أن جبريل عليه السلام تستر بخافية من جناحه حياء من اللّه تعالى . ومن الساجدين من يكاشف أنه يطوى بسجوده بساط الكون والمكان ، ويسرح قلبه في فضاء الكشف والعيان ، فيهوى دون هوية أطباق السماوات ، وتنمحى لقوة لشهوده تماثيل الكائنات ، ويسجد على طرف رداء العظمة ، وذاك أقصى ما ينتهى إليه طائر الهمة البشرية ، وتفي بالوصول إليه القوى الإنسانية ، ويتفاوت الأنبياء والأولياء في مراتب العظمة ، واستشعار كنهها ، لكل منهم على قدره حظ من ذلك ، وفوق كل ذي علم عليم . ومن الساجدين من يتسع وعاؤه ، وينتشر ضياؤه ، ويحظى بالصنفين ، ويبسط الجناحين ، فيتواضع بقلبه إجلالا ، ويرفع بروحه إكراما وإفضالا ، فيجتمع له الأنس والهيبة ، والحضور والغيبة ، والفرار والقرار ، والإسرار والجهار . فيكون في سجوده سابحا في بحر شهوده ، لم يتخلف منه عن السجود شعرة ، كما قال سيد البشر في سجوده ( ( سجد لك سوادي وخيالي ) ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً « 1 » . الطوع للروح والقلب لما فيه من الأهلية ، والكره من النفس لما فيه من الأجنبية .
--> ( 1 ) سورة الرعد : الآية 15 .